رأي: وليد خليفة/ مرة أخرى يعود البريطاني، جورج غالاوي، إلى المشهد من البوابة نفسها، لكن ما كان ممكنا في الأمس القريب ومصدر نجومية، أصبح مع الثورات العربية إشكالا أقرب للمستحيل، فالنائب البريطاني الذي أعتاد الاعتياش على آلام شعوب الشرق الأوسط ومشاكلها، بدءا من عراق صدام حسين، و" نخوته " مدفوعة الأجر حيالها، إلى غزة وحصارها الملتبس منذ انقلاب حماس على السلطة الفلسطينية ، يجهز هذه الأيام سفينة مساعدات لأهل غزة مستبدلا موانئ تركيا كنقطة انطلاق بميناء اللاذقية السوري كإشارة لا يفهم منها إلا مكافأة النظام في سوريا على ما يرتكبه بحق شعبه من جرائم قتل، ومعاقبة نظام أردوغان الذي أخذ على عاتقه إنهاء سوريا نظاما وتجانسا اجتماعيا، أردوغان الذي وصلت به الحمية اللغوية في يوم من الأيام بوعيد إسرائيل بمرافقة سفن أمثال غالاوي المتجهة إلى غزة.
طالما استخدم غالاوي سفنه تلك في تمرير دعاية سياسية، مرة في إدانة نظام مبارك، وأخرى في تدفئة الحملة الانتخابية لأردوغان وأخرى في إنقاذ بقايا سمعة حركة حماس وجماعات الإسلام السياسي في المنطقة المكتوية بنارها، لكنه هذه المرة يقدم على ما لا يقبله عقل، فالميناء السوري الذي أختاره كان لوقت قريب مرتعا لفرقاطات البحرية السورية وهي تقصف مخيم الرمل الفلسطيني في المدينة حاصدا أرواح العشرات من الفلسطينيين السوريين، وأما جهة القصد وهي غزة فهي الأخرى محكومة بحركة حماس الهاربة تواً من حضن بشار الذي أوغل تماما في القطيعة مع التنظيم الأم للحركة الإسلامية، ألا وهو التنظيم العالمي لحركة الإخوان المسلمين، وهنا يطرح السؤال نفسه، هل ستقبل حركة حماس رسو سفن غالاوي الدعائية للنظام السوري من الرسو في سفنها وخاصة إذا علمنا إنه لولا حصار غزة لما بقيت الحركة حاكمة حتى الآن في تلك البقعة البائسة من جغرافية المصائب ؟! هذا إذا قبلت حكومة نتنياهو مرور سفن غالاوي في مياهها الإقليمية .
أغلب الظن أن نتنياهو سيختبر مرور السفن بمياهها والوصول سالمة غانمة إلى شواطئ غزة، أما أمر قبول سلطة حماس هذه المساعدات المغموسة بدماء رفاق درب جهادها الإلهي ستكون ضربا تحت الحزام للجماعة التي أشرفت على ولادة حماس ورعتها من المهد حتى اللحظة الراهنة، وفي انتظار المشهد التراجيدي أو الفيلم الرديء الذي ستشارك رؤوس ميليشيات الشبيحة السورية في تركيبه على الطريقة المتكررة ذاتها في دمشق وحلب هذه الأيام، نأمل توفر القليل من فطنة الانكليزي لدى غالاوي والابتعاد عن اللعب بالنار، فالنار ليست مهمتها التدفئة وطهي الطعام فقط ، طالما أحرقت المتدخلين حتى وإن حملوا رايات رجال الإطفاء ولبسوا زيّهم، فالعنوان الذي أختاره هذه المرة يرشح رائحة دماء، والثورات لا تقتل فقط أبنائها وإنما الغرباء المتذاكين أيضا ، الثورة لحظة وغالاوي يحمل ما قبل الثورة على متن سفينة لا تشبه سفينة الناجين أبدا.
غالاوي استطاع الانفلات من فضيحة كوبونات صدام بلغز محير للإعلام، يشبه انفلات مدير مكتب القذافي، صالح بشير، من سجن في طرابلس ووصوله إلى باريس، ربما هذا ما أكسبه ثقة زائدة بنفسه، لكن هل ستسلم الجرة في كل مرة ؟! جرة غالاوي فوق نهر الدماء السورية والفلسطينية وفي لحظة لم تُحسم بعد، ربما يكون الثمن فادحا هذه المرة، ربما مقتربة من الأكيد في كل المعايير السياسية والجنائية ، ناهيك عن الأخلاقية ، فالاتجار بحكاية الفلسطيني استنفدت كل فصولها على يد عتاة الاستبداد العربي، ولم يبق لها من مجال إلا أن تعود فلسطينية من ألفها إلى يائها ، تلك هي المعضلة التي تغيب عن ذهن الانكليزي المغموس بتقاسم الأرباح والشعارات في جغرافية منهكة ومشرفة على إعادة الصياغة .